الفهم والبيئة الزمنية والمكانية

تعد عملية الفهم إحدى أهم الأمور الجدلية التي تبرز دوما على الساحة الفكرية الإنسانية، بل لا تتوقف عند تنظير المفكرين والباحثين، وإنما تنفذ لتصل إلى الطبقات الأمية غير المثقفة. 
 


ولو نظرنا إليها بعمق ومنظور دقيق، لاكتشفنا أن ادعاء الفهم هو صفة بشرية وسمة من سمات الإنسان التي فطر عليها. حينما نناقش هذا الأمر لا يعوزنا سوق أدلة وبراهين عقلية، لأن ادعاء الفهم لدى كل إنسان من البديهيات والمسلمات التي نلمسها جميعا، وهي تحاكي تماما تمتع الإنسان بحواسه الخمس التي ولد مزودا بها.
 لكن ما يفرض علينا التوقف هو ماهية ذلك الفهم ومدى النسبة التي يصل إليها، وهل هو فهم جزئي أو كلي لأي موضوع؟ والإجابة على هذه الأسئلة تستدعي متعلقات أخرى تفرضها مدخلات خارجية عن الذات الإنسانية وتتحكم فيها عوامل طبيعية وأخرى من صنع الإنسان نفسه.
الفهم لأي موضوع يستلزم منا نظرة إلى البيئة الزمانية والمكانية له، وكذلك للإنسان الذي يصدر منه الفعل ورد الفعل تجاه ذلك الأمر، وهذا بدوره يرجعنا إلى الأمور التي تفرضها تلك البيئة الزمانية والمكانية كالعادات والتقاليد مثلا والتي لا يمكن بحال من الأحوال فصل تأثيرها في درجة الفهم والاستيعاب من الفاعل للحدث والمفعول به.
إن مسألة الفهم لقضية ما ليست بالأمر الهين او اليسير، وكما تتحكم فيها عوامل طبيعية تتحكم فيها كذلك عوامل شخصية ذاتية، كمستوى الذكاء، ودرجة الثقافة، وكم المعلومات، ووضوح الرؤية المنعكسة من التعاطي الصحيح مع الحدث أو القضية، والحالة النفسية والمزاجية للشخص، بل وفي بعض الأحيان يكون للمناخ دور في نسبة الفهم.
وتكمن المشكلة لدينا أننا نقيس العالم بمستوى تفكيرنا نحن، وكأن كلا منا له عالم آخر مغاير عن العوالم التي يعيشها باقي أفراد جنسنا، ولو أننا أفردنا في عقولنا مساحة للآخر واحترمنا رؤيته وتفكيره المختلف لارتحنا في كثير من الأمور التي تأخذ مساحات واسعة من حيز تفكيرنا، ولانصرفنا إلى إنجاز ما بأيدينا، وحينها فقط سنكون وصلنا إلى نسبة كبيرة من الفهم لحقيقة تواجدنا في الحياة.
 


تم طباعة هذا الموضوع من موقع : جريدة آفاق -جريدة اسبوعية جامعية - جامعة الكويت