رجال المآثر

وُلِدَ في قلب الحيّ القبليّ القديم “ فريج سعود “ ، الحيّ الأشهر في تاريخ الكويت . ترعرع فيه ، وشبّ مع أقران جيله متواضعا ، دمث الأخلاق ، طلق الوجه ، عصاميّا . يصبو أمينًا شريفاً إلى ما يرغب فيه من مال ومعرفة ، ميّالا إلى القراءة والمطالعة الواسعة، نهما بها . كان من جيل القرّاء ، فتعلّم كيف يتعلّم في زمن عزّ فيه التّعليم النّوعيّ العالي .
 


 غير أنّه بلغ من المرام نتفا ، وطال من المراد طرفاً . يمكن أن أقول إنّه من المخضرمين الّذين عاشوا بين فترتين انتقاليتين من تاريخ الكويت : فترة الأحياء القديمة “ الحيّ القبليّ والشّرقيّ والوسط والمرقاب”، ثمّ فترة أحياء الضّواحي والمناطق السّكنيّة الحديثة الّتي ظهرتْ وتمدّدتْ عقب استخراج النّفط  والتّمتع بعائداته . فعايش انتقال الكويتيّين في تلك الفترة من أحيائهم القديمة إلى أحيائهم الجديدة ، وشاهدها بعينيه ، وأحسّها بجوارحه ، وذاق حلاوتها ومرارتها .
وهكذا، ومن ذلك المكان والزّمان  بدأتْ قصّة المرحوم الحاجّ العمّ “ علي نصير “ ، بيد أنّها لم تنتهِ . دعني أبالغ في سرد مقاطع من سيرة حياته ؛ ذلك أنّه يستحقّه . منها - على سبيل المثال – أنّك إنْ طلبتَ إليه أيّ شيء ، وأقول أيّ شيء – فهو ملبّيه لك ، ساعيا إلى ذلك ما يسعه ممّا يملكه من محض مال أو قوّة حال . ولا عليك أن تسأل كيف قدر عليه ؛ فهذا شأنه هو، وسرّه الّذي عِلمُه عند الله سبحانه وتعالى . هكذا كان ديدنه حتّى يوم وفاته – رحمه الله – تعلو محيّاه بسمة هادئة مطمئنة تجذب نظرك وتعجب بها .
لم يكن المرحوم العمّ علي نصير غنيّا في المال، ولم يبهره بريقه ، ولم يسعَ إلى حطام الدّنيا من منصب أو مكسب أو جاه ، وكان إليهم مستطاعا ؛ فلم يكن خازنا للمال ، وإنّما صارفا منفقا في حينه . كان كالبحر في مدّه فيغمرك سخاءً ، وفي جزره لم تعدم منه خيرا . كان دوما يمدّ الآخرين بما هو قادر عليه . وقلّما التفتُ إلى واحد من محبّيه إلّا ووجدتُ عليه أثرةً من طيّب قوله أو صيّب غيثه . 
لا أكتم سرّاً ، بل أحسب أني أعلن ما يجب إعلانه ؛ ذلك أنّنا – وكلّ حيّ – مفارقون رفاقنا وأحبابنا ، فلكلّ رفيقٍ فراقٌ . وإنّنا تاركون لهم  ما يمكن أن يخلّدنا في أفئدتهم من كريم ذكر وحسن خلق . فمسيرتنا تنتهي جسدا وينبغي ألّا تنتهي روحا وقيما ومآثر . فكان – رحمه الله – ذلك الأثير الشّذيّ وذلك العبير الزّكيّ ؛ فمواقف الخير الّتي طالتني منه وشهدتُها في الكويت خاصّةً عديدة . ولا عجب أن يكون  أمين مال الصّدقات في ديوان رفاقه ، يوزّع ما تجمّع في صندوقها الخيريّ على محتاجيها . فَلَكَمْ تألّم لألمهم ، وهو نفسه في ألم لا يعرفه إلّا الخاصّة من خواصّ أقربائه .
لا أذكر أنّه تقاعس عن عمل خير ولو بكلمةٍ سواءٍ ينصح لك بها . وكان لا يضنّ علينا بشيء أو بأمر مهما كانت قيمتُه ، بل قد يصيبك منه أكثر من كرم ، فلقد كان كثير التّهادي . فقد تتلقّى ظُهْراً هديّة منه ، وتتلقّى مرّة أخرى في المساء – إن التقيْتما – هديّة أخرى تقديرا ومحبّة منه لك . كان لا يدعك تغادره دون أن تحظى منه بشيء . وحتّى لا تتحرّج منه كان يمازحك وهو يهديك شيئا ما . ولا تزال هداياه معي أحملها في حلّي وترحالي .
هكذا كانت نفسه تنبض بحبّ الآخرين . كان يصل رحمه ، فيولِم لهم وليمة الجمعة ، فيها يلتقون . وكان – رحمه الله – يتكبّد تكاليفها الباهظة ونحن بها ندري . فصارت الجمعة  عنوانا عليه وإليه . فسُمّيت “ جُمْعَةَ الجَمْعَة “ ، فانطبعت الجُمعة عميقا في القلوب تترقّب موعدها وتنتظر لقاءها . ولا ينسى – رحمه الله -  رفاقه وصحبه ؛ فلهم عليه حقّ الرّفقة ، فكان يولم لهم في ديوانهم يأنس بهم ويستأنسون به .
وها هي الجمعة الأولى تُقبل دونه ونفوس محبيه تضطرم بلوعة شَوْق وحسرة تَوْق . لاتنتهي مآثر الإنسان بانتهاء رحلته ، بل تبقى حيّة بمَن كان غزير الصّدقات ، كثير الخيرات ، يصل رحمه بأمر ربّه . رحم الله العمّ أبا عمّار . فإنّك لم تفارقنا ، بل فارقناك وأبداننا حيّة . وعزاؤنا لقاؤنا يوم التّلاقي .


تم طباعة هذا الموضوع من موقع : جريدة آفاق -جريدة اسبوعية جامعية - جامعة الكويت