الاستقرار والإبداع

ثمة رابط بين الاستقرار ونوع الإبداع البشري، فبنظرة سريعة لفترات من التاريخ البشري نجد أن الإنسان حينما يعيش في بيئة غير مستقرة فإن إبداعه يتجه للجانب الفني وخاصة الشعر والمثل والحكمة، فهي تحوي كلمات قليلة ولكنها تحمل معاني كثيرة.
 


وهذا يتناسب مع البيئة المترحلة الغير مستقرة، لذلك نجد أن جل الإبداع العربي القديم تمثل في هذه الفنون تماشيا مع طبيعة حياتهم المتنقلة، وحينما عرف العرب حياة الاستقرار اتجه إبداعهم نحو العلوم مثل الكيمياء والجبر والطب... وغيرها من العلوم الطبيعية التي تتناسب والبيئة المستقرة.
ما نقصده بالاستقرار هنا لا يتوقف على الاستقرار المكاني، وإنما الاستقرار النفسي، بمعنى أن الإنسان حتى وإن كان في بيئة مستقرة مكانيا وهو يشعر بعدم الاستقرار النفسي، فإنه يلجأ إلى الفنون لتستوعب إبداعه.
 فالإنسان المعاصر حينما يكون في بيئة لا تتمتع بالقدر الكافي من الحرية التي توفر الاستقرار المعنوي والمادي، يلجأ إلى الفنون والتي تغيرت إلى حد ما من الشعر إلى الرسم والمسرح والدراما بالرغم من وجود الشعر والرواية والقصة، ويأتي انسياق الإنسان للفنون كوعاء يستوعب ابداعاته لأنها تحمل من الرموز والدلالات ما يغنيه ويبعده عن التعرض للعقاب من قبل النظام الحاكم.
ويكون الإبداع البشري على خلاف ذلك حينما يشعر الإنسان بالاستقرار المكاني والنفسي ويعيش في مجتمع يتيح له قدرا من الحرية، فيتجه إبداعه إلى العلوم التجريبية والتطبيقية كالفيزياء والرياضيات والكيمياء والطب... وهذا لا يقتصر على عرق أو جنس بشري بعينه بل الناس فيه شركاء.
ونحن في الكويت و- الحمد لله – نعيش الاستقرار المكاني ولدينا قدر من الحرية وسعة العيش، فلا ينقصنا شيء سوى امتلاك الإرادة للإبداع في الفنون والعلوم بكل مشتقاتها، وهذا هو الهدف الأسمى الذي يحتم علينا جميعا التكاتف لتحقيقه .
 


تم طباعة هذا الموضوع من موقع : جريدة آفاق -جريدة اسبوعية جامعية - جامعة الكويت