حب..وسياسة

يقوم‭ ‬من‭ ‬مقعده‭ ‬،‭ ‬بيْد‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يقوى‭ ‬على‭ ‬النّهوض‭ ‬،‭ ‬فعاد‭ ‬يجلس‭ . ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬صباح‭ ‬يتكرّر‭ ‬الموقف‭ ‬نفسه‭ ‬والمنظر‭ ‬ذاته‭ ‬والمكان‭ ‬عينه‭. ‬وحين‭ ‬جلس‭ ‬تساءل‭ ‬غيرَ‭ ‬مُبالٍ‭ : ‬لماذا‭ ‬تتكرّر‭ ‬الأيّام‭ ! ‬فالجمعة‭ ‬غدا‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬بعد‭ ‬غدٍ‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬مضتْ،‭ ‬لِتعود‭ ‬بعد‭ ‬أيّام‭ ‬أُخر‭ . ‬رفع‭ ‬حاجبيْه‭ ‬مستنكرا‭ ‬،‭ ‬وقال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭  ‬فلسفته‭ ‬التي‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭ : ‬أيّامنا‭ ‬تكرُّ‭ ‬بنا‭ ‬بآمالنا،‭ ‬وتكرُبُنا‭ ‬بها‭ ‬بآلامها‭ .‬


تنهّد‭ ‬وقد‭ ‬طالعتْه‭ ‬صورةُ‭ ‬أحد‭ ‬الرّؤساء‭ ‬مبتسما،‭ ‬فهزّ‭ ‬رأسه‭ ‬له‭ ‬مبتسما‭ ‬كذلك‭. ‬فتساءل‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭ : ‬أَتُراهم‭ ‬يختلفون‭ ‬عنّا،‭ ‬أم‭ ‬هم‭ ‬مثلنا‭ ! ‬نحن‭ ‬نظنّ‭ ‬أنّهم‭ ‬قد‭ ‬حقّقوا‭ ‬أقصى‭ ‬أمانيهم‭ ‬وطموحهم‭ ‬،‭ ‬غير‭ ‬أنّهم‭ ‬ليسوا‭ ‬كذلك؛‭ ‬لأنّهم‭ ‬غير‭ ‬قانعين‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬أيديهم،‭ ‬والتّاريخ‭ ‬يشهد‭ ‬بذلك‭ ‬عليهم،‭ ‬ويشهد‭ ‬عليهم‭ ‬صراعُهم‭ ‬على‭ ‬ملكهم‭ ‬الغابر‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬من‭ ‬طمع‭ ‬بالسّلطان‭ ‬وظفره‭ ‬كان‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أبشع‭ ‬في‭ ‬طمعه‭ ‬وأشنع؛‭ ‬فتراه‭ ‬يغزو‭ ‬لِيُوسّع‭ ‬سلطانه،‭ ‬أو‭ ‬تراه‭ ‬–‭ ‬وهو‭ ‬رئيس‭ ‬الدّولة‭ ‬–‭ ‬يهادن‭ ‬ويصانع‭ ‬أو‭ ‬يصارع‭ ‬الأثرياء‭ ‬ليشاركهم‭ ‬أو‭ ‬يشاركوه‭ ‬في‭ ‬أموالهم‭ ‬وتجاراتهم،‭ ‬أو‭ ‬تراه‭ ‬منضما‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬التّجارة‭ ‬الدّوليّة‭ ‬الشّرعية‭ ‬منها‭ ‬وغير‭ ‬الشّرعيّة‭. ‬وملاك‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه‭ ‬أنّ‭ ‬الطّمع‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الطّموح‭ ‬الّذي‭ ‬يتوهّمه‭ ‬الإنسان‭ ‬أنّه‭ ‬سيُسعده‭ ‬وسيُسرّه‭ ‬ما‭ ‬عاش‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬لا‭ ‬يحدّه‭ ‬زمان‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬ولا‭ ‬إنس‭ ‬ولا‭ ‬جانّ‭ .‬وهكذا‭ ‬–‭ ‬وأحسبنا‭ ‬كلّنا‭ ‬كذلك‭ ‬–‭ ‬نأمل‭ ‬بالخلود‭ ‬والمجد‭ ‬وما‭ ‬دونهما‭ ‬لا‭ ‬يعنينا‭ . ‬
في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬عندما‭ ‬عاد‭ ‬فجلس‭ ‬عاوده‭ ‬الأمر‭ ‬الّذي‭ ‬اعتاد‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬الّا‭ ‬ينساه‭ ‬أو‭ ‬يتناساه‭ ‬؛‭ ‬فاليوم‭ ‬ذكرى‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬؛‭ ‬اليوم‭ ‬الّذي‭ ‬جعله‭ ‬إنسانا‭ ‬آخر‭ ‬ليس‭ ‬كمثل‭ ‬البشر‭. ‬كان‭ ‬يظنّ‭ ‬هذا،‭ ‬يظنّ‭ ‬أنّه‭ ‬ليس‭ ‬كمثل‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الّذي‭ ‬رآها‭ ‬فيه‭ ‬مرّة‭ ‬واحدة‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬تعدْ‭ ‬مرّة‭ ‬ثانية‭ . ‬كانت‭ ‬نظرة‭ ‬كسهم‭ ‬مارق‭  ‬صرعه‭ ‬في‭ ‬اللّحظة‭ ‬والتّوّ‭ . ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يدري‭ ‬ماذا‭ ‬يقول‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬ماذا‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬رغم‭ ‬أنّها‭ ‬كانت‭ ‬أمامه‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ . ‬كانت‭ - ‬حين‭ ‬رآها‭ - ‬كزهرة‭ ‬تفتّحت‭ ‬بندى‭ ‬المطر‭ ‬،‭ ‬يشعّ‭ ‬من‭ ‬محيّاها‭ ‬روح‭ ‬الحياة‭ ‬،‭ ‬وكأنّها‭ ‬طيف‭ ‬ملاك‭ ‬تكرّم‭ ‬به‭ ‬الكونُ‭ ‬فأرسله‭ ‬إليه‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ . ‬
وبينا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬سكرة‭ ‬ذكراه‭ ‬فإذا‭ ‬بعينيه‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬الرّئيس‭ ‬إيّاه‭ ‬،‭ ‬فامتعض‭ ‬وتكدّر‭ ‬،‭ ‬ووجم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬وهو‭ ‬يقارن‭ ‬بينهما‭ ‬؛‭ ‬بين‭ ‬صورتها‭ ‬وصورة‭ ‬الرّئيس‭ . ‬فحنق‭ ‬عليه‭ ‬اقتحامَه‭ ‬خلوته‭ ‬مع‭ ‬خياله‭ ‬السّعيد‭ ‬البعيد‭ . ‬وقال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ : ‬تُرى‭ ‬أليس‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬قد‭ ‬يفعل‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬الرّؤساء‭ ! ‬أومأ‭ ‬برأسه‭ ‬أنْ‭ :‬نعم‭ . ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬أفعل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يفعله‭ ‬أيّ‭ ‬رئيس‭ . ‬
سخر‭ ‬من‭ ‬مفارقته‭ ‬ومقارنته‭ ‬تلك‭ ‬،‭ ‬فشعر‭ ‬بذنب‭ ‬يخزّه‭ . ‬فقام‭ ‬من‭ ‬مجلسه‭ ‬،‭ ‬وتطلّع‭ ‬إلى‭ ‬الأفق‭ ‬الّذي‭ ‬بدا‭ ‬شاحبا‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬زجاج‭ ‬النّافذة‭ ‬الباهت‭ ‬،‭ ‬وتنهّد‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬متمنيا‭ ‬أنْ‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬معه‭ ‬الآن‭ ‬لكان‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬غير‭ ‬شأنه‭ ‬هذا‭ . ‬فنبضتْ‭ ‬الذّكرى‭ ‬بين‭ ‬ضلوعه‭ ‬،‭ ‬فأسرتْه‭ ‬صورتُها‭ ‬تلك‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الّذي‭ ‬لن‭ ‬ينساه‭ ‬،‭ ‬فانشرحتْ‭ ‬نفسه‭ ‬،‭ ‬وشعر‭ ‬برغبة‭ ‬في‭ ‬الغناء‭ ‬،‭ ‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬صمتَ‭ ‬ليستمع‭ ‬لهمس‭ ‬إيقاع‭ ‬ذلك‭ ‬اللّحن‭ ‬الشّجيّ‭ ‬يتردّد‭ ‬إليه‭ ‬عبر‭ ‬أثير‭ ‬الّذكرى‭ ‬اليتيمة‭ . ‬فمضى‭ ‬يترنّم‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬تهدهده‭ ‬نغماتُ‭ ‬الحبّ‭ ‬المولود‭ ‬الموؤد‭ . ‬توجّه‭ ‬إلى‭ ‬المذياع‭ ‬،‭ ‬فأداره‭ ‬،‭ ‬فلم‭ ‬يتبرّم‭ ‬كعادته‭ ‬مع‭ ‬نشرة‭ ‬الأخبار‭ ‬الّتي‭ ‬تقرع‭ ‬آذان‭ ‬المستمعين‭ ‬؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬المذيعة‭ ‬أعلنتْ‭ ‬نهاية‭ ‬الموجز‭ ‬،‭ ‬فأعقبتْ‭ ‬بأنْ‭ ‬حان‭ ‬الآن‭ ‬موعد‭ ‬المستمعين‭ ‬مع‭ ‬أغنية‭ ‬“‭ ‬أهواك‭  ‬“‭ ‬للفنان‭ ‬الكبير‭  ‬،‭ ‬فانبسط‭ ‬وتهلل‭ ‬وجه‭ ‬،‭ ‬واستعدّ‭ ‬لها‭ ‬،‭ ‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬ابتسم‭ ‬ممّا‭ ‬يجري‭ ‬؛‭ ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ : ‬هي‭ ‬ذات‭ ‬المفارقة‭ ‬الّتي‭ ‬جرتْ‭ ‬معي‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭ ‬،‭ ‬سياسة‭ ‬وحبّ‭ ‬،‭ ‬لربّما‭ ‬هما‭ ‬صنوان‭ ‬لألم‭ ‬واحد‭ . ‬لم‭ ‬يصمتْ‭ ‬في‭ ‬مفارقته‭ ‬ومقارنته‭ ‬إلّا‭ ‬عندما‭ ‬صدح‭ ‬الصّوت‭ ‬الجريح‭ ‬بـ‭ ‬“‭ ‬أهواك‭  ‬“‭ . ‬


 


تم طباعة هذا الموضوع من موقع : جريدة آفاق -جريدة اسبوعية جامعية - جامعة الكويت