الهواجس والتفاعل مع الآخرين

الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بطبيعتها‭ ‬مليئة‭ ‬بالمفردات‭ ‬التي‭ ‬تستدعي‭ ‬التشارك‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬تكون‭ ‬تفسيراتنا‭ ‬لتصرفات‭ ‬الآخرين‭ ‬انعكاسا‭ ‬لهواجس‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬مخيلتنا‭ ‬فقط،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬الهواجس‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬بعيدة‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭.‬


‭ ‬فقد‭ ‬تتكون‭ ‬هذه‭ ‬الهواجس‭ ‬نتيجة‭ ‬لصراعات‭ ‬نفسية‭ ‬داخلية‭ ‬ممزوجة‭ ‬بوقع‭ ‬تأثيرات‭ ‬خارجية‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬الوظيفية،‭ ‬ملتصقة‭ ‬بظنون‭ ‬وأوهام‭ ‬راكمتها‭ ‬بعض‭ ‬المعاناة‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬الإنسان،‭ ‬والتي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تغذيها‭ ‬الريبة‭ ‬المقنعة‭ ‬بصور‭ ‬الحذر‭.‬
وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬الهواجس‭ ‬تنمو‭ ‬وتترعرع‭ ‬داخل‭ ‬ذواتنا،‭ ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬صور‭ ‬متقطعة‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬ردود‭ ‬أفعالنا‭ ‬إلى‭ ‬أفعال،‭ ‬وهنا‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬حدا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬السكوت‭ ‬عليه،‭ ‬إذ‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬الحاق‭ ‬الأذى‭ ‬بصاحبها‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيرها‭ ‬للمحيطين‭ ‬به‭.‬
إن‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الحياة‭ ‬وكثرة‭ ‬مطالبها‭ ‬جعلت‭ ‬الإنسان‭ ‬عرضة‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الضغوطات‭ ‬والمطالب‭ ‬الحياتية‭ ‬والتي‭ ‬ألقت‭ ‬عليه‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الأعباء‭ ‬المادية،‭ ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬أضرت‭ ‬كثيرا‭ ‬بالنواحي‭ ‬المعنوية‭ ‬له‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬وتوفير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تريح‭ ‬الإنسان‭.‬
الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬مبنية‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬جوانبها‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬والتعدد،‭ ‬ويلزمها‭ ‬التنوع‭ ‬العمري‭ ‬والعددي‭ ‬والفكري‭  ‬والثقافي‭ ‬والعاطفي‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬النسق‭ ‬الأمثل‭ ‬الذي‭ ‬يسمو‭ ‬بها‭ ‬كحياة‭ ‬مثلى‭ ‬للإنسان،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬التنوع‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬أطياف‭ ‬المجتمع‭ ‬الإنساني‭ ‬هو‭ ‬القوة‭ ‬الدافعة‭ ‬بالحضارة‭ ‬البشرية‭ ‬قدما‭ ‬نحو‭ ‬التجديد‭ ‬والتحديث‭ ‬والتطوير،‭ ‬والحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬إنما‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬صورتها‭ ‬المعاصرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تراكم‭ ‬اسهامات‭ ‬شتى‭ ‬الأمم‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬لذا‭ ‬فهي‭ ‬ملك‭ ‬للجميع‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لجنس‭ ‬أو‭ ‬أمة‭ ‬ما‭ ‬الادعاء‭ ‬بصناعة‭ ‬تلك‭ ‬الحضارة‭. ‬
ولا‭ ‬مناص‭ ‬أمامنا‭ ‬من‭ ‬قبول‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬وصاحب‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬اختلافنا‭ ‬معها‭ ‬إن‭ ‬أردنا‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬والإنسانية‭ ‬التطوير‭ ‬والتحديث‭ ‬،‭ ‬ولنفتح‭ ‬أعيننا‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفالها‭ ‬وهي‭ ‬أننا‭ ‬كما‭ ‬نتشابه‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬والأفعال‭ ‬فإننا‭ ‬نختلف‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬والأفكار‭.‬
 


تم طباعة هذا الموضوع من موقع : جريدة آفاق -جريدة اسبوعية جامعية - جامعة الكويت